حمار الشعراء

جَشَّمْتَنِي النَّظْمَ عَلَى بَحْرٍ عَرَا
مِنَ الْقَوَافِي نَبَذُوهُ بِالْعَرَا
أَوْ هَكَذَا يَبْدُو لِعَيْنَيْ نَاظِرٍ
لِقِلَّةِ الْحَفْلِ بِهِ فِيمَا يُرَى
إِذْ هَجَّنُوهُ فَامْتَطَاهُ كُلُّ مَنْ
رَامَ وَسَمَّوْهُ: "حِمَارَ الشُّعَرَا"
أَلَا تَرَاهُ فِي الْبُحُورِ خَامِلًا
مُمْتَهَنًا بَيْنَ الْقَصِيدِ مُزْدَرَى
مُقْتَرِنًا فِي الذِّهْنِ بِابْنِ عَاشِرٍ
وَبِابْنِ مَالِكٍ وَقَارِئٍ قَرَا
وَمُعْرِبٍ لِقَامَ زَيْدٌ وَأَتَى
عَمْرٌو وَهَمَّ عَامِرٌ بِعُمَرَا
وَحَيْثُمَا فَتَحْتَ دِيوَانًا فَلَا
تُبْصِرُ لِلرَّجَزِ فِيهِ أَثَرَا
قَدْ أَخْمَلُوهُ مِنْ قَدِيمٍ بَيْنَهُمْ
فَلَيْسَ فِي شِعْرِ الْفُحُولِ يُقْتَرَى
قَبْلِي تَخَطَّاهُ الْكِبَارُ فَعُنُوا
بِغَيْرِهِ وَكَادَ أَنْ لَا يُذْكَرَا
إِلَّا أُبَيَّاتًا هُنَا أَوْ هَهُنَا
مِمَّا يَنِدُّ تَارَةً أَنْ يَخْطُرَا
وَفِي الْمُعَلَّقَاتِ لَا ذِكْرَ لَهُ
وَلَا انْتَحَاهُ عُرْوَةٌ وَالشَّنْفَرَى
وَلَا جَرِيرٌ وَالْفَرَزْدَقُ وَلَا الْـ
ـأَخْطَلُ وَالرَّاعِي النُّمَيْرِيُّ اسْتَرَى
وَالْغَزَلُ الْعُذْرِيُّ لَمْ يُلْمِمْ بِهِ
فِي وَصْفِ عَبْلَةَ بِشِعْرِ عَنْتَرَا
وَلَا بِهِ عُرْوَةُ فِي أَقْرَائِهِ
فِي حُبِّ عَفْرَاءَ الْمُحَيَّا عَفَّرَا
وَلَا الْكُمَيْتُ وَجَمِيلٌ وَكُثَيْـ
ـيِرٌ وَمَنْ شَعَرَ فِي أُمِّ الْقُرَى
وَفِي الْكُنَاسَةِ وَسُوقِ مِرْبَدٍ
وَكُلِّ مِصْرٍ قَدْ بَدَا أَوْ حَضَرَا
وَلَوْ تَقَرَّيْتَ الْحِجَازَ وَالشَّآ
مَ وَالْعِرَاقَيْنِ وَمَا تَمَصَّرَا
وَطُفْتَ فِي مِصْرَ وَفِي أَنْدَلُسٍ
وَالْقَيْرَوَانِ مَعْشَرًا فَمَعْشَرَا
فَلَنْ تَرَى لِلْخُلَفَاءِ مَادِحًا
وَلَا الْوُلَاةِ كُلِّهِمْ وَالْوُزَرَا
مَنْ أَمَّهُمْ بِرَجَزٍ فَنَالَ مِنْ
عَطَائِهِمْ كَمَا يَنَالُ الشُّعَرَا
فَلَا أَبُو تَمَّامٍ اَوْ قَرِيعُهُ
أَبُو عُبَادَةَ لَهُ قَدْ نَشَرَا
وَلَا أَبُو الطَّيِّبِ فِي مُعْجِزِهِ
قَدَّمَ فِي الْقَوْلِ بِهِ أَوْ أَخَّرَا
وَمُدِحَ الْمُلُوكُ أَدْهَارًا فَمَا
مِنْ أَحَدٍ عَلَى قَرِيِّهِ جَرَى
فَهَلْ أَنَا فِيمَا زَعَمْتُ صَادِقٌ
يَا شَيْخُ يَحْيَى أَوْ أَقَمْتُ الْعُذُرَا؟
لَوْ شِئْتَ، قُلْتَ: مَا تَرَكْتَ ذِكْرَهُ
مِثْلُ الصَّبَاحِ ظَاهِرٌ لِمَنْ يَرَى
فَأَيْنَ مِنْكَ لَوْ تَقَصَّيْتَ الْمَدَى
شِعْرُ الْمَلَاحِمِ إِذَا الْقِرْنُ انْبَرَى
لِقِرْنِهِ وَاسْتَلَّ مِنْ قِرَابِهِ
حُسَامَهُ وَفِي الْخُطَا تَبَخْتَرَا
وَقَالَ فِي ارْتِجَازِهِ مِنْ مِثْلِ مَا
قَالَ أَبُو السِّبْطَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَا
لَمَّا دَعَا إِلَى الْمِصَاعِ قِرْنَهُ:
"أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَا!"
وَقَالَ: "لَمَّا أَنْ رَأَيْتُ مُنْكَرًا
أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا"
وَابْنُ رَوَاحَةَ بِيَوْمِ خَنْدَقٍ
وَغَيْرِهِ كَمْ فِيهِ عَنْهُ أُثِرَا
وَمَنْ تَأَمَّلَ فُصُولَ سِيرَةٍ
لِابْنِ هِشَامٍ سَيَرَاهُ أَوْفَرَا
وَفِي الْفُتُوحِ لَمْ يَزَلْ يُنْشِدُهُ
كَمْ بَطَلٍ بَيْنَ الصُّفُوفِ افْتَخَرَا
وَكَانَ بَيْنَ الْعُرْبِ فَنًّا رَاقِيًا
مُسْتَطْرَفًا عَلَى الْقَرِيضِ مُسْتَرَى
يَوْمَ اسْتَجَادُوهُ وَأَعْلَوْا شَأْوَهُ
فَقِيلَ: "كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا!"
وَعَادَ شِعْرُ الطَّرْدِ مِنْ أَشْرَفِ مَا
تَنَافَسَتْ فِيهِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى
وَبَاتَ عِنْدَ أَهْلِهِ مُنْتَخَبًا
لِوَصْفِ صَيْدٍ وَقَنِيصٍ يُدَّرَى
يَنْتَابُ أَسْرَابَ الْمَهَا فِي بِيدِهَا
وَيَنْتَحِي الْغِزْلَانَ فِي وَادِي الْقُرَى
وَكَانَتِ الْمُلُوكُ إِنْ تَاقَتْ لَهُ
دَعَتْ لَهُ مُفَضَّلًا وَالْأَحْمَرَا
وَالْأَصْمَعِيَّ وَأَبَا عَمْرٍو وَمَنْ
يُدْعَى أَبَا عُبَيْدَةٍ مُعَمَّرَا
وَمَنْ رَوَى الْأَرْجَازَ عَنْ أَعْرَابِهَا
وَخَالَطُوهُمْ فِي السِّفَارِ وَالسُّرَى
وَكَانَ فِي الْبَدْوِ لَهُ فَطَاحِلٌ
قَدْ نَافَسُوا فِيهِ وَطَاوَلُوا الذُّرَى
وَالْأَغْلَبُ الْعِجْلِيُّ فِي أَرْجَازِهِ
قَدْ جَاءَ فِي الْوَصْفِ بِمَا بَذَّ الْوَرَى
سَأَلَهُ عُمَرُ أَنْ يُنْشِدَهُ
فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتَ خَيْرًا مُحْضَرَا
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَخْبُرَهُ
فَوَافَقَ الْخُبْرُ لَدَيْهِ الْخَبَرَا
وَكَانَ قَدْ سَنَّ الْأَرَاجِيزَ الطِّوَا
لَ كَالْقَصَائِدِ بِهِنَّ اشْتَهَرَا
وَالرَّاجِزُ الْعَجَّاجُ فِي آثَارِهِ
قَدْ جَاءَ فِي الْأَرْجَازِ يَقْفُو الْأَثَرَا
فَكَانَ يَقْفُو أَثَرَ الْعِجْلِيِّ فِي
مَيْدَانِهِ وَفِي عِنَانِهِ جَرَى
وَجَاءَ مِنْهُ بِالَّتِي مَطْلِعُهَا:
"قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ" جَبَرَا
وَرُؤبَةٌ فِي "قَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَا
وِي" قَدْ تَلَا ذَاكَ السَّبِيلَ وَاقْتَرَى
فَغَاصَ فِي اللُّغَى عَلَى مُعْتَاصِهَا
فَبَاعَ مِنْهَا فِي الْغَرِيبِ وَاشْتَرَى
وَلِأَبِي النَّجْمِ أَخِي عِجْلٍ بِهِ
مَا لَيْسَ يَشْأُو شَأْوَهُ مَنْ شَعَرَا
وَكَانَ فِي عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةٍ
مُقَدَّمًا فِي ذَاكَ بَيْنَ الشُّعَرَا
قَدْ جَاءَ ثَالِثَ الثَّلَاثَةِ الْأُلَى
قَدْ ذَلَّلُوهُ مَوْرِدًا وَصَدَرَا
وَكَمْ وَكَمْ مِنْ رَاجِزٍ فَحْلٍ وَكَمْ
مِنْ حَادِ أَيْنُقٍ بِهِ الْبِيدَ فَرَى
مِمَّنْ رَوَى الْأَرْجَازَ عَنْ رُوَاتِهَا
أَهْلِ الْعِمَادِ وَتَبَدَّى فِي الْبَرَى
وَسَمِعَ الْعَرَبَ فِي أَمْثَالِهَا:
"عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى"
وَقَوْلَهُمْ: "شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي
طُولَ السُّرَى" إِذْ طَالَمَا بِهِ سَرَى
وَقَوْلَ مَنْ قَالَ لِمُبْدٍ كِبْرَهُ:
"أَطْرِقْ كَرَا، إِنَّ النَّعَامَ فِي الْقُرَى!"
وَلَمْ يَزَلْ وَالشُّعَرَاءُ تَنْتَخِي
بِالْحِذْقِ فِيهِ فَتُثِيرُ الْعِثْيَرَا
فَلَمْ تَكُنْ بَغْدَادُ خِلْوًا مِنْهُ فِي
أَيَّامِهَا حِينَ الْقَصِيدُ ازْدَهَرَا
فَلِلْعَتَاهِيِّ بِهِ بَدَائِعٌ
فِي الزُّهْدِ حَلَّقَ بِهَا وَاسْتَأْثَرَا
وَلِلنُّوَاسِيِّ رَوَائِعُ بِهَا
فِي الْقَنْصِ وَالطِّرَادِ قَدْ تَصَدَّرَا
وَلِابْنِ مُعْتَزٍّ وَحَاذٍ حَذْوَهُ
مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ "وَسُرَّ مَنْ يَرَى"
وَابْنُ دُرَيْدٍ صَاغَ مَقْصُورَتَهُ
فَفَاقَ فِيهَا مَنْ بَدَا أَوْ حَضَرَا
"يَا ظَبْيَةً أَشْبَهَ شَيْءٍ بِالْمَهَا!"
أَعْجَزَ فِيهَا فِي الْقَرِيضِ مَنْ دَرَى
وَلَمْ يَكُ الرَّجَزُ فِي يَوْمٍ لَقًى
مُسْتَرْذَلًا أَوْ كَانَ نِسْيًا فِي الثَّرَى
بَلْ زَاحَمَ الْقَصِيدَ حَتَّى جَازَهُ
مَكَانَةً وَصَارَ مِنْهُ أَسْيَرَا
وَكَانَ فِي الْمَغْرِبِ أَوْ أَنْدَلُسٍ
مِنْهُ الْبَدِيعُ أَزْمُنًا وَأَعْصُرَا
وَحَازِمُ الْقَرْطَاجَنِي بِتُونِسٍ
قَدْ حَاكَ مَقْصُورَتَهُ مَا قَصَّرَا
لَكِنَّهُ قَدْ عُدَّ غَيْرَ حَازِمٍ
لَمَّا بِهَا قَدْ قَصَدَ الْمُسْتَنْصِرَا
فَعَابَهُ بِذَا الْمَكُودِيُّ وَلَمْ
يَعِبْ قَرِيضَهُ الَّذِي قَدْ بَهَرَا
أَمَّا الْمَكُودِيُّ فَجَادَ صَنْعَةً
وَزَادَ إِذْ مَمْدُوحُهُ خَيْرُ الْوَرَى
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَا لَيْلٌ دَجَا
وَجَاءَ صُبْحٌ بَعْدَهُ فَنَوَّرَا
وَلِلشَّمَقْمَقِ ابْنِ وَنَّانٍ بِهِ
قَافِيَةٌ لِقَافِهَا قَدْ كَسَرَا
مُخَاطِبًا حَادِيَهُ: "مَهْلًا عَلَى
رِسْلِكَ حَادِي" أَيْنُقٍ تَهَوَّرَا
وَلِلرِّبَاطِيِّ أَبِي عَمْرٍو لَهَا
أُخْتٌ تَقَفَّى قَافَهَا وَاقْتَفَرَا
فَجَاءَ بِالسَّهْلِ الَّذِي يَأْبَى عَلَى
مَنْ رَامَهُ وَلَوْ تَعَنَّى وَاجْتَرَا
فَهَذِهِ قَلَائِدُ الْأَرْجَازِ قَدْ
فَاقَتْ قَلَائِدَ الْحِسَانِ وَالْبُرَى
فَأَيْنَ مِنْهَا مَا تَرَانِي نَاظِمًا
وَهَلْ تُسَوِّي بِالْجُمَانِ الْحَجَرَا
مَاذَا يَقُولُ شَاعِرٌ إِنْ شَعَرَا
رَأَيْتَ فِي بُحُورِهِ مَا لَا يَرَى
أَنْشَدْتُهُ مِنْ نَظْمِهِ مَا لَمْ يَعُدْ
يَذْكُرُهُ وَوَدَّ لَوْ تَذَكَّرَا
مَضَيْتَ فِيهِ حَافِظًا لَهُ كَمَا
لَوْ كَانَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ سُوَرَا
مَا بَيْنَ بَحْرٍ كَامِلٍ وَوَافِرٍ
وَرَمَلٍ وَمِنْ بُحُورٍ أُخَرَا
وَحِينَمَا افْتَقَدْتَ فِيهِ رَجَزًا
لَمْ تَرَهُ مِنْ بَيْنِهَا مُعْتَبَرَا
سَأَلْتَنِيهِ وَعَدَدْتَ مَنْ جَفَا
عَنْهُ كَمَنْ أَزْرَى بِهِ وَاسْتَحْقَرَا
وَخِلْتَ أَنِّي قَدْ هَضَمْتُ حَقَّهُ
هَجْرًا وَمَا مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُهْجَرَا
فَقُلْتُ: لَا عَتْبَ عَلَيَّ إِنَّنِي
قَدْ سُقْتُ عُذْرِي ظَاهِرًا مُفَسَّرَا
لَمَّا رَأَيْتُ الشُّعَرَاءَ نَظَمُوا
فِيهِ السِّخَابَ وَالْحَصَى وَالْبَعَرَا
هَجَرْتُهُ هُجْرَانَ قَالٍ أَوْ فَقُلْ
هُجْرَانَ زَاهِدٍ بِهِ مُسْتَصْغِرَا
وَالْآنَ قَدْ صَالَحْتُهُ مِنْ أَجْلِ مَنْ
شَفَعَ فِيهِ رَاغِبًا وَمُؤْثِرَا
قُلْ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمُرْتَضَى:
طِبْتَ حِلَالًا فِي سَلَا وَمَحْضَرَا
أَهْلًا بِنَا وَبِكَ فِي وَادِي سَلَا
مَنْ حَلَّ وَادِيهِ سَلَا عَمَّنْ وَرَا
قَدْ صَارَ مَا أَمَّلْتَ أَمْرًا وَاقِعًا
حَقًّا وَمَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى
مِنْ فَاضِلٍ مِنْ مَطْلِعِ الشَّمْسِ سَرَى
لَيْلًا وَفِي صَبَاحِهِ تَمَصَّرَا
أَتَى سَلَا فَلَمْ يَكَدْ يَثْوِي بِهَا
حَتَّى سَلَا عَنْ كُلِّ رَبْعٍ عَمَّرَا
ذَاقَ نَمِيرَ نَهْرِهَا فَلَمْ يَعُدْ
يَشْفِي صَدَاهُ غَيْرُ مَا مِنْهُ جَرَى
وَلَا يَلَذُّ مَطْعَمًا فِي غَيْرِهَا
أَوْ نَسْمَةً يَشْتَمُّهَا أَوْ بِكَرَى
فَمَرْحَبًا بِكَ حَلَلْتَ مَنْزِلًا
سَهْلًا فَفَاحَ مَنْدَلًا وَعَنْبَرَا
وَلَا تَزَلْ وَالْيُمْنُ فِي أَكْنَافِهِ
وَالْأَمْنُ وَالْأَمَانُ مَوْصُولُ الْعُرَى
يَا شَيْخُ يَحْيَى فَخْرَ فَيْفَاءَ الَّذِي
بِهِ تُبَاهِي وَتَتِيهُ مَفْخَرَا
لِيَهْنِكَ الْفَرْعُ الَّذِي تُعْزَى لَهُ
مِنْكَ الْأُصُولُ الرَّاسِخَاتُ فِي الثَّرَى
وَالْمُنْتَمِي فِي خَيْرِمَا أُرُومَةٍ
فِي الْجِذْمِ مِنْ قَحْطَانَ آسَادِ الشَّرَى
مِنْ بَطْنِ خَوْلَانَ طَلَعْتَ مَاجِدًا
مِنْ مَاجِدِينَ فُضَلَاءَ كُبَرَا
مِنْ يَحْصُبٍ وَيَشْجُبٍ وَيَعْرُبٍ
وَذِي رُعَيْنٍ وَمُلُوكِ حِمْيَرَا
وَكَانَ مِنْهُمْ لِلنَّبِيِّ الْمُصْطَفَى
مِنْ صَحْبِهِ الْأَنْصَارُ خَيْرُ النُّصَرَا
فَاهْنَأْ فَقَدْ جَمَعْتَ مَجْدًا طَارِفًا
إِلَى تَلِيدٍ حُزْتَ مِنْهُ الْجَوْهَرَا
ثُمَّ هَنِيئًا يَا ابْنَ أَسْعَدَ بِمَا
حَلَلْتَ فِي سَلَا وَطِبْتَ عُمُرَا
قَدْ شَمَخَتْ بِكَ سَلَا إِذْ صِرْتَ مِنْ
أَعْلَامِهَا وَمَنْ لَهَا قَدْ عَمَرَا
وَزِدْتَ فَخْرًا وَمَقَامًا بِالَّذِي
أَحْرَزْتَ مِنْ مَشْيَخَةٍ وَمُقْتَرَا
وَصَارَ مِنْ حَقِّ الْعُلَا أَنْ تَحْتَفِي
بِمَا ازْدَهَى بِهِ الْحِمَى وَازْدَهَرَا
لَدُنْ حَلَلْتَ فِي الدِّيَارِ طَالِبًا
فَكُنْتَ بَدْرًا طَالِعًا وَقَمَرَا
وَصِرْتَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَعُدُّهُ
إِذَا عَدَدْنَا مَنْ عَلَى الشَّيْخِ قَرَا
أَعْنِي السَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ مَنْ بِهِ
نَوَّهْتَ فِي الْمَشْرِقِ حَتَّى اشْتَهَرَا
فَأَكْبَرُ الْفَضْلِ إِلَيْكَ يَنْتَهِي
وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْكَ الْأَكْبَرَا
بِمَا عَنِ السَّبْعَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ
رَوَّاكَ ثُمَّ زَادَهَا فَعَشَّرَا
صُغْرَى وَكُبْرَى وَالَّتِي لِنَافِعٍ
مِنْ طُرْقِ تَعْرِيفٍ وَتَفْصِيلٍ دَرَى
حَتَّى تَمَلَّأْتَ بِمَا أَسْنَدْتَهُ
عَنْهُ وَكُنْتَ الْفَائِزَ الْمُظَفَّرَا
خُذْهَا أَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ رَوْضَةً
غَنَّاءَ رَاقَ زَهْرُهَا وَنَوَّرَا
أَوْ كَعَرُوسٍ بَرَزَتْ مِنْ بَعْدَمَا
ظَلَّتْ يُوَارِيهَا الْحِجَابُ أَشْهُرَا
جَلَوْتُهَا عَلَيْكَ فِي مِنَصَّةٍ
لَفَّتْ حَيَاءً وَجْهَهَا أَنْ تُبْصَرَا
مَا ضَرَّهَا أَنْ لَمْ يَكُنْ مُنْشِئُهَا
يُدْعَى أَبَا النَّجْمِ أَوِ الْقَبَعْثَرَى
أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْحِ طِيبٍ أَوْ مَقَا
مَاتِ الْحَرِيرِي أَوْ لَدَى زَمَخْشَرَا
أَنْتَ الَّذِي جَشَّمْتَنِيهَا فَلْتَكُنْ
عَيْنُ الرِّضَا تُغْمِضُ عَمَّا كَدَرَا
وَإِنْ تَكُ الْأُخْرَى فَتِلْكَ مُكْنَتِي
وَلَا يُلَامُ مَنْ أَتَى مَا قَدَرَا
مَا قُلْتُهُ فِيكَ حَرٍ أَنْ يُزْبَرَا
بِالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ ثُمَّ يُنْشَرَا
لِلصِّدْقِ فِيهِ وَالْوَفَاءِ مَوْضِعٌ
مَا كَانَ يَخْفَى خَبَرًا وَمَخْبَرَا
كَمْ لِيَ مِنْ قَافِيَةٍ حَبَّرْتُهَا
فَكِدْتُ أَسْتَوْعِبُ فِيهَا الْأَبْحُرَا
كَمْ وَافِرٍ كَمْ كَامِلٍ كَمْ رَمَلٍ
كَمْ مِنْ خَفِيفٍ وَبَسِيطٍ سُطِرَا
كَمْ قُلْتُ فِي فَيْفَاءَ مِنْ قَصِيدَةٍ
عَصْمَاءَ فِيهِنَّ الْبَهَاءُ بَهَرَا
لَكِنَّنِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ أَصُغْ
فِي رَجَزٍ أَوْ هَزَجٍ كَمَا تَرَى
فَخُذْ إِلَيْكَ هَذِهِ يَتِيمَةً
رَقَّتْ وَرَاقَتْ فِي رَوِيِّ حَرْفِ "رَا"
وَلَا تَسُمْنِي بَعْدَهَا فِي رَجَزٍ
فَلَسْتُ أَمْتَطِي حِمَارَ الشُّعَرَا
د. عبد الهادي حميتو سلا: فاتح رمضان المعظّم 1437هـ - الموافق 7 يونيو 2016م

حمار الشعراء التكملة

يَا شَيْخُ يَحْيَى لَوْ أَعَدْتَ النَّظَرَا
رَأَيْتَ فِي الرَّجَزِ مِثْلَمَا أَرَى
فَالشِّبْهُ نَحْوُ شِبْهِهِ مُنْجَذِبٌ
فَلَا تَقُلْ لِي قَدْ ظَلَمْتُ الْحُمُرَا
وَلَا تَقُلْ فِي رَجَزٍ إِلَّا كَمَا
تَقُولُ فِي الْعَيْرِ إِذَا الْعَيْرُ جَرَى
كِلَاهُمَا مُسْتَهْجَنٌ لَسْتَ تَرَى
مِنْ جِنْسِهِ إِلَّا ثَقِيلًا مُزْدَرَى
ثُمَّ أَجِدْ سَمْعًا فَقَابِلْهُ بِمَا
مِنَ الْفَضَائِلِ لَهُ قَدْ ذُكِرَا
وَهَا أَنَا أُشَنِّفُ السَّمْعَ فَخُذْ
عَنِّيَ مَا فِي كُلِّ سَمْعٍ وَقَرَا
مِمَّا بِهِ قَدْ نَطَقَتْ بِنَصِّهِ
آيُ الْكِتَابِ، وَلَهَا الْكُلُّ قَرَا
وَمَا بِهِ السُّنَّةُ قَدْ تَوَاتَرَتْ
وَالسِّيرَةُ الْغَرَّاءُ، فَاتْلُ السِّيَرَا
وَمَا بِهِ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا
قَدْ نَوَّهَتْ، وَقَالَ فِيهِ الشُّعَرَا
وَلَسْتُ فِي كُلِّ حِمَارٍ رَاغِبًا
سَمَّوْهُ عَيْرًا أَوْ حِمَارًا أَوْ فَرَا
لَكِنَّنِي يَا شَيْخُ يَحْيَى أَبْتَغِي
رِضَاكَ، لَيْسَ لِأَزِيدَ فِي الْمِرَا
وَإِنَّمَا لِكَيْ أَكُونَ مُنْصِفًا
إِذَا بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِيهِ مُعْذِرَا
وَجِئْتُ فِي أَمْرِ الْحَمِيرِ كُلِّهِمْ
بِمَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ مُخْبِرَا
أَمَّا الَّذِي لَهُمْ فَمِنْ خِلَافِهِ
تَعْرِفُهُ إِنْ تَكُ بَعْدُ مُنْكِرَا
شَأْنُ الْحِمَارِ الْحَمْلُ وَالرُّكُوبُ وَالْـ
ـحَرْثُ، وَجَرُّ الْعَرَبَاتِ فِي الْقُرَى
كَالدَّوْرِ بِالرَّحَى وَدَرْسٍ لِلزُّرُو
عِ وَالْبُذُورِ وَأُمُورٍ أُخَرَا
"وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ" مِمْـ
ـمَا رَبُّنَا لِمِثْلِ ذَاكَ سَخَّرَا
"لِتَرْكَبُوهَا"، ثُمَّ قَالَ: "زِينَةً"
لِلنَّاظِرِينَ حِلْيَةً وَمَنْظَرَا
لَكِنَّمَا الْحَمِيرُ أَدْنَى رُتْبَةً
لِذَاكَ جَاءَ ذِكْرُهَا مُؤَخَّرَا
وَلَا تَرَى فِي النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهَا
إِنْ كَانَ قَدْ خَيَّرَهُ مَنْ خَيَّرَا
فَالْمَشْيُ رَاجِلًا بِلَا مَطِيَّةٍ
وَلَا رُكُوبٌ فِي السِّفَارِ الْحُمُرَا
إِنَّ الْحِمَارَ شَرُّ ظَهْرٍ يُمْتَطَى
وَشَرُّ مَرْكُوبٍ لِمَنْ يَبْغِي السُّرَى
يَمْشِي مُرَاوِحًا مَكَانَهُ فَإِنْ
أَبْصَرْتَهُ تَخَالُهُ يَمْشِي وَرَا
وَلَوْ مَعَ الْجِيَادِ سَارَ سَاعَةً
لَقَالَ: هَاتُوا لِي سِمَاطًا أَخْضَرَا
فَنَافَسَ الْجِيَادَ فِي مِضْمَارِهَا
لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا تَدَهْوَرَا
وَإِنْ تُرِدْ مِنْهُ الْمَزِيدَ زَاجِرًا
صَارَ الَّذِي أَنْكَرْتَ مِنْهُ أَكْثَرَا
وَإِنْ تَزِدْ فِي حَفْزِهِ بِوَخْزِهِ
ظَنَّكَ تَسْتَوْقِفُهُ فَقَصَّرَا
وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى تَقَدُّمٍ
خَالَكَ تَسْتَأْخِرُهُ فَاسْتَأْخَرَا
يَمْشِي الْهُوَيْنَى وَيَرَاهُ سُنَّةً
فَهْوَ إِذَا سَارَ تَقَفَّى الْأَثَرَا
وَلِلْعِثَارِ نَسَقٌ فِي سَيْرِهِ
لَيْسَ يُبَالِي حُفَرًا أَوْ حَجَرَا
وَكَمْ عِثَارٍ مَا لَهُ مِنْ بَاعِثٍ
وَإِنَّمَا بَدَا لَهُ فَعَثَرَا
وَانْظُرْ إِلَى الْأَمْثَالِ فِي مَضْرِبِهَا
بِهِ، وَكَمْ مِنْ مَثَلٍ بِهِ جَرَى
حَسْبُكَ فِي الْوَحْيَيْنِ كَمْ جَاءَ بِهِ
مِنْ آيَةٍ، وَكَمْ حَدِيثٍ سُطِرَا
وَانْظُرْ إِلَيْهِ فَرَّ مِنْ قَسْوَرَةٍ
وَقَدْ تَوَلَّى مُدْبِرًا مُسْتَنْفِرَا
كَمَا بِهِ قَدْ ضُرِبَ الْمَثَلُ فِي
إِعْرَاضِهِ عَمَّا بِهِ قَدْ ذُكِّرَا
لَوْ كَانَ فِيهِ لِلْقَبُولِ مَوْضِعٌ
مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: "إِنَّ أَنْكَرَا"
أَلَيْسَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ نَاهِقًا
وَيُسْتَعَاذُ عِنْدَهُ إِذَا انْبَرَى
يَا شَيْخُ يَحْيَى هَذِهِ قَضِيَّتِي
مَعَ الْحِمَارِ مَوْرِدًا وَمَصْدَرَا
قَرَأْتُ فِي آدَابِنَا مِنْ ذَمِّهِ
بَدَائِعًا مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُشْهَرَا
فَكَمْ هَجَاهُ مَنْ هَجَا مِنْ شَاعِرٍ
وَكَمْ حَكِيمٍ عَنْ حِمَاهُ نَفَرَا
فَقِيلَ فِي رَاكِبِهِ: "سَوْفَ تَرَى
إِذَا انْجَلَى الْغُبَارُ" مَا سَوْفَ تَرَى
إِنِ الْحِوَارُ وَالْحِمَارُ اصْطَحَبَا
فِي السَّيْرِ أَلْفَيْتَ الْحِوَارَ اسْتَحْمَرَا
وَصَارَ مِنْ بَعْدِ الرُّغَاءِ شَاهِقًا
وَنَاهِقًا، سُرْعَانَ مَا تَأَثَّرَا
وَلَكَ فِي حِمَارِ تُومَا مَثَلٌ
إِذْ قَالَ عَنْ رَاكِبِهِ مَا أُثِرَا
مَقَالَةً عَنْهُ حَكَاهَا مَنْ حَكَى
عَلَى لِسَانِ حَالِهِ مُعَبِّرَا:
"لَوْ أَنْصَفُونِي" قَالَ مَا كُنْتُ أَنَا
أَحَقَّ أَنْ أُرْكَبَ إِذْ أَنَا بَرَا
لِأَنَّ جَهْلِيَ بَسِيطٌ وَالَّذِي
يَرْكَبُنِي بِالْجَهْلِ قَدْ تَدَثَّرَا
إِنَّ الْحِمَارَ مُعْرِقٌ فِي جِنْسِهِ
كَانَ أَصِيلَ الْعِرْقِ أَوْ تَحَمَّرَا
لَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ فِي تَشْبِيهِهِ
وَهَبْهُ قِيلَ: "الْعَيْرُ" أَوْ قِيلَ: "الْفَرَا"
وَهْوَ حِمَارٌ كَيْفَمَا قَلَّبْتَهُ
وَلَوْ تَتَوَّجَ بِتَاجِ قَيْصَرَا
أَرَى الْخَلِيلَ فِي الْعَرُوضِ عَدَّهُ
وَلَمْ يُرَاعِ ضَعْفَهُ وَالْخَوَرَا
"مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ"
رَكْضُ الْحِمَارِ وَزْنُهُ إِذَا جَرَى
فَمَنْ تَرَاهُ عَاجِزًا عَنْ نَظْمِهِ
وَلَوْ أَرَادَ الْأَلْفَ مِنْهَا اسْتَيْسَرَا
فَإِنْ يَكُنْ "مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ"
شِعْرًا، فَكُلُّ النَّاسِ صَارُوا شُعَرَا
لِذَاكَ قَدْ رَكِبَهُ النُّظَّامُ فِي
أَنْظَامِهِمْ وَلَمْ يُطِيلُوا الْفِكَرَا
فَكَثُرَتْ حَمِيرُهُمْ، وَزَاحَمَتْ
أَهْلَ الْقَرِيضِ وَالْقَصِيدِ بِالْهُرَا
لَا تَأْمَنِ الْحَمِيرَ فِي رُكُوبِهَا
وَلَا تَقُلْ فِيهَا: رَكُوبُ الْفُقَرَا
فَكَمْ فَقِيرٍ قَصَمَتْ فَقَارَهُ
فَمَا تَوَلَّى الْيَوْمُ حَتَّى أُقْبِرَا
وَسَقْطَةٍ عَنِ الْجَوَادِ سَلِمَتْ
وَسَقْطَةُ الْحِمَارِ دَقَّتِ الْقَرَا
فَلَا تَقُلْ لِي فِي حِمَارٍ: "فَارِهٌ!"
فَكُلُّهَا مَهْمَا تَفَرَّهَ فَرَا
لَوْ لَبِسَ الْحِمَارُ ثَوْبَ حَبْرَةٍ
كَانَ حِمَارًا قَدْ تَرَدَّى الْحِبَرَا
أَوْ قَدْ جَرَى مَعَ الْجِيَادِ غَلْوَةً
قِيلَ: حِمَارٌ فِي السِّبَاقِ غَبَّرَا
جَاءَ أَخِيرًا وَهْوَ يَشْكُو حَظَّهُ
يَرَى لِسُوءِ حَظِّهِ تَأَخَّرَا
وَأَنَّ مَنْ يُعْلِفُهُ مُقَصِّرٌ
فِي حَقِّهِ فَهْوَ لِذَاكَ قَصَّرَا
فَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ إِنْ كَانَ فَهْـ
ـوَ وَاحِدٌ فِيمَا نَعُدُّهُ يُرَى
لَا تَرْكَبِ الْحِمَارَ يَوْمًا إِنَّهُ
بِئْسَ الْمَطِيَّةُ لِمَنْ لَهُ عَرَا
وَلَا تَثِقْ إِذَا بَدَا مُسَالِمًا
فَالنَّارُ قَبْلَ الْوَقْدِ كَانَتْ شَجَرَا
وَلَا تَقُلْ فِي رَجَزٍ: "شِعْرٌ!" فَلَوْ
كَانَ لَمَا قِيلَ: "حِمَارُ الشُّعَرَا"
لَا تَأْمَنِ الْعَيْرَ فَرُبَّمَا هَوَى
بِرَاكِبٍ فَدَقَّ مِنْهُ الْمِنْخَرَا
لَمْ يَرْعَ فِيهِ ذِمَّةً أَوْ صُحْبَةً
وَلَوْ غَذَاهُ أَشْهُرًا وَأَشْهُرَا
يُعْلِفُهُ مِنْ قُوتِهِ وَيَقْتَنِي
لَهُ الْإِكَافَ وَالْمَخَالِي الْأَوْفَرَا
وَكَانَ يَسْتَوْصِي بِهِ فِي ظَهْرِهِ
فَلَا يُحَمَّلُ سِوَى مَا قَدَرَا
وَلَيْسَ يُرْدِفُ عَلَيْهِ رَاكِبًا
مِنْ خَلْفِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ مِنْ مَرَا
لَكِنَّمَا الْعَيْرُ لِسُوءِ طَبْعِهِ
لَا يَعْقِلُ الْجَمِيلَ مَهْمَا كَثُرَا
وَلَا يُبَالِي صَرْعَةً أَوْ رَفْسَةً
تَغْدُو بِهَا عَلَى الثَّرَى مُعَثَّرَا
وَرُبَّمَا زَادَ فِرَارًا بَعْدَمَا
فَعَلَهَا وَطَاشَ عَنْكَ مَنْظَرَا
ثُمَّ رَمَى إِكَافَهُ وَخُرْجَهُ
وَمَا حَمَلْتَ فِيهِ فِي عُرْضِ الثَّرَى
إِنَّ الْحِمَارَ لَأَمِيرُ نَفْسِهِ
وَلَوْ تَأَدَّبْتَ لَهُ مَا شَعَرَا
وَلَوْ تَخَيَّرْتَ لَهُ بَرْدَعَةً
مِنْ نَسْجِ صَنْعَاءَ وَوَشْيِ عَبْقَرَا
وَلَمْ يَزَلْ فِي جِنْسِهِ مُمْتَهَنًا
كَمَا أَرَاهُ فِي حِمَارِ الشُّعَرَا
وَلَيْسَ هَجْوِي لِلْحِمَارِ غَايَتِي
كَانَ حِمَارَ الشِّعْرِ أَوْ كَانَ فَرَا
وَإِنَّمَا جَعَلْتُهُ وَسِيلَةً
أُمَلِّحُ الْجِدَّ بِهَا إِذَا عَرَا
فَفِي زَمَانِ الْجِدِّ تَحْلُو سَاعَةٌ
لِلْهَزْلِ يَمْرَحُ بِهَا مَنْ سَمَرَا
فَنَمَطُ الْقَوْلِ عَلَى وَتِيرَةٍ
يَمَلُّ مِنْهُ مَنْ بَدَا أَوْ حَضَرَا
فَخُذْ إِلَيْكَ هَذِهِ تَكْمِلَةً
فِي رَجَزٍ طَلَّقْتُ فِيهِ الْأَبْحُرَا
جَبْرًا لِخَاطِرِ أَدِيبٍ بَارِعٍ
أَحَبَّهُ فَقُلْتُ فِيهِ مَا تَرَى
ثُمَّ أَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِمَا
مِنِّيَ مِنْ هَزْلٍ بَرِيءٍ صَدَرَا
وَقَائِلٌ خِتَامَ مَا دَبَّجْتُهُ
صَلَّى وَسَلَّمَ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى
مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ
ثُمَّ عَلَيْكُمْ مَعْشَرًا فَمَعْشَرَا
د. عبد الهادي حميتو